رحلة الدعاة.. تحديات واقعية - 2 -
كتبهامحمد حكمي ( رجل الساعة ) ، في 23 ديسمبر 2008 الساعة: 15:35 م
إن العالم في المجتمع بمثابة المصدر الروحي والفكري لكل ما يعتمده ويتمسك به المجتمع من عادات وتقاليد ومبادئ، فإذا غاب هذا العالم بحث المجتمع عما يستمدون منه القوة الفكرية والروحية لهذه المبادئ والعادات والتقاليد، فينصبون واحدا منهم، هو في الحقيقة لا يتميز عنهم بعلم ولا ثقافة ولا دراية ( أي: جاهل )، ولكنهم يثقون فيه ثقة عمياء، فمن هنا يبدأ الانحراف الفكري والروحي، حيث يفتي فيهم بغير علم.
ولقد جاء الإمام المجدد والعلامة الحبر شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب إلى بلاد نجد وقد غاب عنها علمائها، وفشى فيها الشرك وأصناف من البدع والخرافات، مثلها مثل غالب البلدان الإسلامية، وصارت ثقافة المجتمع فيها ثقافة منحطة، تنكر الدين والتوحيد، وفسدت فطرهم حتى قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب نفسه عنهم في القواعد الأربعة: [: أن مشركي زماننا أغلظ شركاً من الأولين؛ لأن الأولين يشركون في الرخاء ويخلصون في الشدة، ومشركو زماننا شركهم دائم في الرخاء والشدة، والدليل قوله تعالى: { فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ }العنكبوت 65 فعلى هذا الداعي عابد، والله أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم ].إه.
وقد جاهد الشيخ محمد بن عبد الوهاب أشد الجهاد وذلك كي يغير ثقافتهم ومعتقداتهم التي تغلغلت جذورها في نفوسهم وعقولهم، وأوذي رحمه الله وحورب أشد الحرابة، وما كان ما لاقاه الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلا جزءا يسيرا مما لقيه رسول الله في دعوة الناس إلى الله وإلى توحيد الله كما ذكرنا سابقا حتى أنهم أنكروا وحدانية الله { أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ } ص 5، ولا عجب أن ينكروا وقد اضمحلت عقولهم، ولذا كان معالجة المستوى الثقافي لدى المجتمع هو أشد ما تواجهه الصحوة، فإن هناك مالا يقبله الناس، وينكرونه، وهناك ما قد تمسك الناس به حتى صار عندهم عقيدة لا يمكن تركها.
إن الدخول إلى ثقافة المجتمع الفاسدة وهدها وضربها من جذورها أمر في غاية الخطورة، لأنه ينتج عنه عداء شديد، وموجهة هذا العداء يحتاج إلى التعامل معه بحكمة وصبر وروية وحلم، فها هو النبي صلى الله عليه وسلم يؤذى في مكة ويطرد من الطائف ويسير هيمانا أسفا على صدهم ومعارضتهم له، ولكنه أبى إلا أن يصبر ويحلم ويكتم أسفه، ويقول لملك الجبال وقد قال: له لو شئت لأطبقت عليهم الأخشبين – جبلان في مكة – : كلا، فإني لأرجو الله أن يبعث من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئا.
تأمل معي أيها الداعية الذي يحرص على نفع الناس ويحرصون على ضره، أليس هذا موقف نبيل من رسول كريم، أليس هذا خلق رفيع من داعية مخلص، إن التعامل مع المجتمع ليس بالأمر السهل، ولا حتى بالأمر الصعب، بل هو أمر صعب تفوق صعوبته الخيال، ويحتاج إلى رجل أصعب من الصعب.
إن الدعوة ليست مجرد أن تقول للناس: اتقوا الله، فيتقون الله، ولا أن تقول لهم هذا حرام فيجتنبوه أو هذا واجب فيفعلوه، الدعوة سلوك،الدعوة قدوة، الدعوة خلق، الدعوة حكمة، الدعوة موعظة حسنة، الدعوة جدال بالتي هي أحسن.
الدعوة سلوك: فإن النبي صلى الله عليه وسلم كانت الدعوة في حياته سلوكا كأي سلوك من السلوكيات التي يعملها، كالأكل، والشرب، والتسوق، والتعامل مع الناس، كان يخرج إلى الناس في السوق والمسجد فيعلمهم ويوجههم، ليس بقوله فقط بل وبفعله، فقد كان يمر بالرجل يبيع الشعير، فيضع يده في داخله فيجد فيه بللا، فيقول له: ما هذا ؟ فيقول له الرجل: أصابه المطر يا رسول الله، فيأمره الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يكبه، ويجعل أسفله أعلاه ليراه الناس، ويقول له: من غشنا فليس منا، ومر يوما بتيس أسك ميت في السوق، فيأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بأذنه وينادي في أهل السوق من يشتري مني هذا؟ فيقول له الصحابة: يا رسول الله إنه لو لم يكن ميتا لما اشتراه أحد لأنه أسك، فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم: للدنيا أهون على الله من هذا عليكم.
الدعوة قدوة: فالداعية لا بد أن يكون قدوة للمجتمع الذي يريد إصلاحه، ولابد أن يضع نصب عينيه { وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ } هود 88، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يخاطب أصحابه فيقول: خيركم.. خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهله، وقال لأصحابه يوما وقد عزموا على ذبح شاه: وأنا أجمع الحطب.
لقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم قدوة لأصحابه في حياته وعباداته كلها، وما كان يميز نفسه عنهم في شيء، بل كان يبغض ذلك،
الدعوة خلق: لقد كان الداعية الأول رسول الله صلى الله عليه وسلم واسع الخلق، جميل الطبع، حسن التعامل، يقول عنه أنس رضي الله عنه خدمت رسول الله صبى الله عليه وسلم عشر سنين، ما قال لي في شيء فعلته: لم فعلته ؟ ولا في شيء لم أفعله: لم؛ لم تفعله ؟ صلوات الله وسلامه عليه، كان كثير التبسم والبشر والتواضع، حتى يظن جليسه أنه أكرم عليه من نفسه، وكان شعاره ( إنما جئت لأتمم مكارم الأخلاق ).
كان يدعو إلى الله بأخلاقه، دعا إلى الله بحلمه فقال لجبريل ( إني لأرجو أن يبعث الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئا )، دعا إلى الله بكرمه حتى كان يقول الرجل لقومه: ( جئتكم من عند رجل ينفق نفقة من لا يخشى الفقر )، دعا إلى الله بعفوه فكان ثمامة بن أثال حامي حمى الإسلام في نجد، دعا إلى الله بتبسمه حتى كان جليسه يظن أنه أكرم عليه من غيره، أحبه كل من حوله من الناس حتى كان أجب إليهم من أنفسهم، فكان نعم الداعية.
الدعوة حكمة: إن معالجة المستوى الثقافي لدى المجتمع يحتاج لحكمة في الخطاب وروية في التعامل، وتفهم لواقع المجتمع، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعائشة: لولا أن قومك حديثو عهد بكفر، لهدمت الكعبة وأعدت بنائها على قواعد إبراهيم، وهذا أبو الحسن علي بن أبي طالب يقول: حدثوا الناس على قدر عقولهم أتريدون أن يكذب الله ورسوله، فعلى الدعاة أن يفهموا ذلك جيدا، فعندما تخاطب الناس فلابد من خطاب تسعه صدورهم وقلوبهم وعقولهم، جاءه فتى فقال يا رسول الله، ائذن لي في الزنا، فهم الصحابة – غيرة على دين الله، لسان حالهم أإذن في حد من حدود الله ؟!! – فأومأ إليهم عليه الصلاة والسلام بيده إليهم، وقال له: أدنو، فدنى منه الغلام، فقال له: ترضاه لأمك ؟ فقال: لا فقال له رسول الله: فإن الناس لا يرضونه لأمهاتهم، ثم سأله ترضاه لأختك، لزوجك، لابنتك، فجيب في كل مرة: بلا، فيقول له الرسول: فإن الناس لا يرضونه لأخواتهم، وزوجاتهم ، وبناتهم، هكذا كانت حكمة الرسول الله عليه وسلم في دعوته.
والخلاصة: أن المجمع بحاجة لرجال يكون نعم الرجال في دعوتهم إلى الله، يبذلون قصارى جهدهم بوعٍ وحكمة وتأنٍ، حتى نصل إلى الغاية المنشودة، والواجب المطلوب من الدعاة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























