إن العالم في المجتمع بمثابة المصدر الروحي والفكري لكل ما يعتمده ويتمسك به المجتمع من عادات وتقاليد ومبادئ، فإذا غاب هذا العالم بحث المجتمع عما يستمدون منه القوة الفكرية والروحية لهذه المبادئ والعادات والتقاليد، فينصبون واحدا منهم، هو في الحقيقة لا يتميز عنهم بعلم ولا ثقافة ولا دراية ( أي: جاهل )، ولكنهم يثقون فيه ثقة عمياء، فمن هنا يبدأ الانحراف الفكري والروحي، حيث يفتي فيهم بغير علم.
ولقد جاء الإمام المجدد والعلامة الحبر شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب إلى بلاد نجد وقد غاب عنها علمائها، وفشى فيها الشرك وأصناف من البدع والخرافات، مثلها مثل غالب البلدان الإسلامية، وصارت ثقافة المجتمع فيها ثقافة منحطة، تنكر الدين والتوحيد، وفسدت فطرهم حتى قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب نفسه عنهم في القواعد الأربعة: [: أن مشركي زماننا أغلظ شركاً من الأولين؛ لأن الأولين يشركون في الرخاء ويخلصون في الشدة، ومشركو زماننا شركهم دائم في الرخاء والشدة، والدليل قوله تعالى: { فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ }العنكبوت 65 فعلى هذا الداعي عابد، والله أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم ].إه.
وقد جاهد الشيخ محمد بن عبد الوهاب أشد الجهاد وذلك كي يغير ثقافتهم ومعتقداتهم التي تغلغلت جذورها في نفوسهم وعقولهم، وأوذي رحمه الله وحورب أشد الحرابة، وما كان ما لاقاه الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلا جزءا يسيرا مما لقيه رسول الله في دعوة الناس إلى الله وإلى توحيد الله كما ذكرنا سابقا حتى أنهم أنكروا وحدانية الله { أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ } ص 5، ولا عجب أن ينكروا وقد اضمحلت عقولهم، ولذا كان معالجة المستوى الثقافي لدى المجتمع هو أشد ما تواجهه الصحوة، فإن هناك مالا يقبله الناس، وينكرونه، وهناك ما قد تمسك الناس به حتى صار عندهم عقيدة لا يمكن تركها.
إن الدخول إلى ثقافة المجتمع الفاسدة وهدها وضربها من جذورها أمر في غاية الخطورة، لأنه ينتج عنه عداء شديد، وموجهة هذا العداء يحتاج إلى التعامل معه بحكمة وصبر وروية وحلم، فها هو النبي صلى الله عليه وسلم يؤذى في مكة ويطرد من ا
























